من الصعب اليوم متابعة أخبار شركات مثل Google وMicrosoft وAmazon وMeta وOpenAI وNvidia دون ملاحظة شيء واحد يتكرر باستمرار: المزيد من الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، والمزيد من مراكز البيانات، والمزيد من الشرائح، والمزيد من الأدوات الذكية. وقد تبدو هذه المنافسة أحيانًا وكأنها سباق لإطلاق أفضل مساعد رقمي، لكن الحقيقة أوسع بكثير.
فالشركات الكبرى لا تتسابق على الذكاء الاصطناعي لأنه اتجاه تقني مؤقت، بل لأنها ترى فيه طبقة جديدة قد تتحكم في مستقبل البحث، والحوسبة السحابية، والإعلانات، والبرمجيات، والتجارة الإلكترونية، والهواتف، وحتى طريقة العمل داخل الشركات. ومن يتأخر في هذه المرحلة قد يجد نفسه يعتمد لاحقًا على تقنيات يملكها منافسوه.
الذكاء الاصطناعي قد يصبح البوابة الجديدة للإنترنت
خلال سنوات طويلة، كانت محركات البحث هي البوابة الأساسية للوصول إلى المعلومات، ثم أصبحت الهواتف والتطبيقات جزءًا رئيسيًا من التجربة الرقمية. الآن تحاول شركات التقنية أن تجعل الذكاء الاصطناعي الطبقة التالية التي يبدأ منها المستخدم.
بدل أن يفتح المستخدم عدة تطبيقات ويبحث داخل كل واحد منها، يمكنه أن يطلب من مساعد ذكي تنفيذ المهمة كاملة. فإذا أصبح المساعد هو المكان الذي يبدأ منه المستخدم يومه الرقمي، فإن الشركة المالكة لهذا المساعد تحصل على موقع استراتيجي شديد الأهمية.
لماذا تخاف الشركات من التأخر؟
لأن التاريخ التقني مليء بشركات فقدت موقعها عندما تغيرت طريقة استخدام الناس للتكنولوجيا. شركة كانت قوية في أجهزة الكمبيوتر قد تتراجع عندما ينتقل المستخدم إلى الهاتف، ومحرك بحث قوي قد يواجه ضغطًا إذا بدأ الناس في الحصول على الإجابات مباشرة من مساعد ذكي.
ولهذا لا تنظر الشركات إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره منتجًا إضافيًا فقط، بل باعتباره احتمالًا لتغيير نقطة الدخول إلى الإنترنت نفسه.
الشركات تريد حماية أعمالها الحالية
كل شركة كبرى تقريبًا لديها سبب مختلف للدفاع عن موقعها. Google تريد حماية البحث والإعلانات، Microsoft تريد تقوية البرمجيات والحوسبة السحابية، Amazon تريد دعم AWS والتجارة الإلكترونية، Meta تريد تحسين الإعلانات والمحتوى والتفاعل داخل منصاتها.
وعندما تظهر تقنية يمكن أن تعيد تشكيل هذه الأسواق، يصبح الاستثمار فيها نوعًا من الدفاع قبل أن يكون مجرد محاولة للنمو.
إذا طور منافس أداة ذكاء اصطناعي تجعل المستخدم يقضي وقتًا أقل داخل خدمة معينة، فقد تتأثر إيرادات الشركة المالكة لتلك الخدمة. ولذلك تسارع الشركات إلى دمج الذكاء الاصطناعي داخل منتجاتها الحالية بدل انتظار تغير سلوك المستخدم أولًا.
سوق الحوسبة السحابية أصبح مرتبطًا مباشرة بالذكاء الاصطناعي
هناك سبب آخر مهم وراء السباق، وهو أن تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قدرات حوسبة ضخمة. وهذا يجعل الشركات التي تملك مراكز بيانات وخدمات سحابية في موقع قوي.
Microsoft وAmazon وGoogle وOracle كلها تستثمر بقوة في البنية التحتية التي يحتاجها الذكاء الاصطناعي. وتشير خطط Microsoft المعلنة إلى سعيها لرفع سعة مراكز البيانات العالمية لديها إلى نحو 38 جيجاوات بحلول 2032، أي أكثر من ثلاثة أضعاف قدرتها الحالية تقريبًا.
أما Google فأعلنت استثمارًا لا يقل عن 13 مليار يورو في بنية تحتية للذكاء الاصطناعي في فنلندا خلال عامين، بما يشمل ثلاثة مراكز بيانات جديدة وترتيبات طويلة الأجل للطاقة النووية.
لماذا يهم امتلاك البنية التحتية؟
لأن الشركة التي تملك الخوادم ومراكز البيانات والشرائح لا تربح فقط من تطبيقاتها الخاصة، بل يمكنها بيع القدرة الحاسوبية لشركات أخرى.
وهكذا يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة لزيادة الطلب على الحوسبة السحابية نفسها، وهي بالفعل من أكثر الأنشطة ربحية لدى شركات التقنية الكبرى.
الشرائح أصبحت واحدة من أهم أسلحة المنافسة
لا يمكن تشغيل النماذج المتقدمة دون شرائح قوية. ولهذا ارتفعت أهمية Nvidia بصورة كبيرة، لكن الشركات الأخرى لا تريد الاعتماد الكامل على مورد واحد.
بعضها يطور شرائحه الخاصة، وبعضها يوقع اتفاقات طويلة الأجل مع شركات تصنيع، وبعضها يبني شراكات لتأمين الذاكرة والمكونات اللازمة لمراكز البيانات.
OpenAI مثلًا تعمل مع Samsung على تقنيات الجيل القادم من الشرائح، في إطار توسع التعاون بين الجانبين في أشباه الموصلات وخدمات الذكاء الاصطناعي للمؤسسات.
وفي الصين، يزداد الاستثمار في شركات محلية لصناعة شرائح الذكاء الاصطناعي بهدف تقليل الاعتماد على الموردين الأمريكيين، وهو ما ظهر في الإقبال الكبير على طرح شركة Enflame في بورصة شنغهاي.
البيانات تمنح الشركات ميزة يصعب تقليدها
من الأسباب المهمة أيضًا أن بعض الشركات الكبرى تملك كميات هائلة من البيانات الناتجة عن استخدام مليارات الأشخاص لخدماتها.
محركات البحث تعرف أنواع الأسئلة التي يبحث عنها الناس، ومنصات التجارة تعرف أنماط الشراء، وشبكات التواصل تعرف أنواع المحتوى التي تجذب الانتباه، بينما تملك خدمات الشركات بيانات مختلفة تمامًا عن طريقة العمل والإنتاجية.
هذه البيانات يمكن أن تساعد على تحسين المنتجات، وتخصيص الخدمات، وفهم سلوك المستخدمين بصورة أعمق، بشرط التعامل معها ضمن ضوابط الخصوصية والأمان.
هل من يملك البيانات يفوز تلقائيًا؟
لا، لأن البيانات وحدها لا تكفي. الشركة تحتاج أيضًا إلى نماذج قوية، وبنية حاسوبية، وفرق بحث، ومنتجات يستخدمها الناس فعليًا. لكن امتلاك البيانات المناسبة يمكن أن يعطي أفضلية واضحة عند تطوير خدمات أكثر تخصيصًا.
الإعلانات قد تتغير جذريًا بسبب الذكاء الاصطناعي
بالنسبة لشركات تعتمد على الإعلانات، الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية
0 تعليقات